المقريزي

1021

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فقدمت الأخبار بكثرة دخول النصارى ، من أهل الصّعيد والوجه البحري ، في الإسلام وتعلّمهم القرآن ، وأنّ أكثر كنائس الصّعيد هدمت وبنيت مساجد ، وأنّه أسلم بمدينة قليوب في يوم واحد أربع مائة وخمسون نصرانيّا ، وكذلك بعامّة الأرياف ، مكرا منهم وخديعة حتى يسخدموا في المباشرات ، وينكحوا المسلمات . فتمّ لهم مرادهم ، واختلطت بذلك الأنساب حتى صار أكثر الناس من أولادهم « 1 » . ولا يخفى أمرهم على من نوّر اللّه قلبه . فإنّه يظهر من آثارهم القبيحة ، إذا تمكّنوا من الإسلام وأهله ، ما يعرف به الفطن سوء أصلهم وقديم معاداة أسلافهم للدّين وحملته . فصل « 2 » النصارى فرق كثيرة : الملكانية ، والنسطورية ، واليعقوبية ، والبوذعانية ، والمرقولية - وهم الرّهاويّون الذين كانوا بنواحي حرّان - وغير هؤلاء . فمنهم من مذهبه مذهب الحرّانيّة ، ومنهم من يقول بالنور والظّلمة ، والثّنويّة كلّهم يقرّون بنبوّة المسيح - عليه السّلام - ومنهم من يعتقد مذهب أرسطاطاليس . والملكانيّة واليعقوبيّة والنسطوريّة متّفقون على أنّ معبودهم ثلاثة أقانيم ، وهذه الأقانيم الثّلاثة شيء واحد ، وهو جوهر قديم ، ومعناه أب وابن وروح القدس إله واحد ، وأنّ الابن نزل من السّماء ، فتدرّع جسدا من مريم ، وظهر للناس يحيى ويبرئ وينبئ ، ثم قتل وصلب ، وخرج من القبر لثلاث ، فظهر لقوم من أصحابه ، فعرفوه حقّ معرفته ، ثم صعد إلى السّماء فجلس عن يمين أبيه ؛ هذا الذي يجمعهم اعتقاده .

--> ( 1 ) راجع عن تحوّل الأقباط إلى الإسلام في العصر المملوكي البحري دراسة دونالد ليتل ودراسة قاسم عبده قاسم : أهل الذمة في مصر العصور الوسطى ، 171 - 179 . ( 2 ) حول فرق النصارى والفروق بينها ، راجع الشهرستاني : الملل والنحل 1 : 201 - 208 ؛ القلقشندي : صبح الأعشى 13 : 276 - 291 ؛